الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

51

حاشية المكاسب

منها بل يكون اجتماع اثنين منها من قبيل اجتماع المتناقضين وأمّا لو نفينا اعتبار العقد السّلبي فيها واكتفينا بالعقد الإثباتي كما هو الظَّاهر فلا يلزم من اجتماع ملكيّتين اجتماع نقيضين فإنّ استحقاق أحد للتصرّف في مال لا ينافي بوجه استحقاق آخر في عرضه كما في الوكلاء والأوصياء المستقلَّين وقد اجتمعت ملكيّة اللَّه تعالى وملكيّة خلفائه وملكيّة الملَّاك الشخصيّة على مال واحد والمنع من جواز استيجار الأجير نفسه ثانيا لعين ما استأجره من العمل أولا وكذا بيع عين مرّتين بحيث يكون في البيع الثاني أصيلا يملك الثمن لا فضوليّا فذلك ليس للمنافاة بين الملكيّتين بل لأجل أنّ شخصا واحدا له سلطنة واحدة على أعماله وأمواله لا سلطان متعدّدة وهذه السّلطنة قد نزعها من نفسه وأعطاها للغير في المعاملة الأولى فصار أجنبيّا عن أعماله وأمواله ولم يبق له ما يعطيه لآخر في معاملة أخرى فلذلك عدّ تصرّفه الثّاني فضوليّا قوله قدس سره لا بدّ أن يكون كنفس المال ممّا يملكه الموجر هذا ليس وجها للمنافاة الذّاتي الَّذي ادّعاه المستدلّ إذ أقصاه عدم سلطنة الشخص على تمليك ما يستحقّه آخر وكان تمليكه فضوليّا وأساس هذا ما أشرنا إليه سابقا من أنّ للشخص سلطنة واحدة على أمواله وأعماله فإذا سلبها بمعاملة لم يبق ما يسلبه بمعاملة أخرى بل صار أجنبيّا من أمواله وأعماله وصارت تصرّفاته فضوليّا تحتاج إلى إجازة أربابها قوله قدس سره خصوصا فيما يرجع إلى حقوق الغير نفس هذا شاهد على جواز اجتماع الاستحقاقين فكما جاز اجتماع استحقاق الشّارع للعمل بإيجابه مع استحقاق الميّت بجعله حقّا له فليجز أن يجتمع استحقاق الشّارع بإيجابه مع استحقاق الآدمي بجعل من الأجير قوله قدس سره يختصّ بالواجب العيني بل يعمّ الواجب الكفائي إن كانت الإجارة على الإتيان بنفس الواجب وإن كانت الإجارة على المبادرة إلى إتيان الواجب الكفائي اختصّ بالواجب العينيّ لأنّ المبادرة غير واجبة فهي تحت سلطان نفسه فله أن يبادر وله أن لا يبادر فإذا كان ذلك تحت سلطان نفسه ولم يستحقّه عليه أحد فجاز له أن يملكه لغيره ويأخذ عليه الأجر فأصل العمل يكون حقّا للَّه تعالى والمبادرة إليه حقّا للمخلوق قوله قدس سره بأنّ الفعل متعيّن له فلا يدخل في ملك آخر يعني أنّ الملك يختصّ به ولا يتجاوزه ويتعدّاه ومعنى اختصاصه به اختصاص فوائده به وما هذا شأنه لا يعقل أن يتملَّكه منه أحد فإنّ قبول التملَّك مختصّ بأملاك تتعدّى بالتملَّك منافعها لا ما لا تتعدّى فإنّ أكل الثّمن في مثل ذلك يكون أكلا بلا عوض وأكلا له بالباطل وأمّا الدليل على اختصاص المنافع فلأنّ منافع الامتثال وهي المصالح الباعثة إلى طلب الفعل وكذا الثواب المترتّب على الفعل لا يعقل أن يكون لغير الممتثل فيمتثل أحد لخطاب ثم يلحق تبعات امتثاله لأخرين نعم هبة الثواب أمر معقول لكنه أجنبيّ عن المقام وممّا ذكرنا ظهر لك الفرق بين هذا الدّليل والدّليل السّابق فإنّ ذلك يقتضي بطلان الإجارة بإرجاع سلطان العمل إلى الغير وعمل واحد لا يتحمل سلطانين وهذا يبطله بما أنّ العمل يختصّ سلطانه بالعامل باختصاص منافعه به وتوهّم اتّحاد الدّليلين ناش من عدم التعمّق في عبارة البرهان والخلط بين عبارة متعيّن له وعبارة متعيّن عليه فظنّ من ذلك أنّ هذا عين الدّليل السّابق وحسبما فسّرناه يكون قوله ولعدم نفع المستأجر مفسّرا للدّليل الأوّل لا دليلا برأسه وهو ظاهر المصنّف أيضا حيث اقتصر في الجواب على جواب واحد وقد تقدّم من المصنّف في صدر المقام اعتبار عود نفع من الواجب إلى المستأجر ولولاه بطلت الإجارة بعدم عود النّفع لا يكون المستأجر عليه واجبا على الأجير وهاهنا أتى بجواب عليل حاصله منع اختصاص الفعل بالأجير بل يكون ثواب العمل بعد عقد الإجارة للمستأجر وهو اشتباه ناش من الخلط بين ثواب مترتّب على فعل المستأجر أعني إصداره للعمل بالتّسبيب كما في الاستيجار لبناء المسجد إن كان قاصدا للتقرب في تسبيبه بل وإن لم يكن المباشر قاصدا للتقرّب في مثل هذا المثال وبين ثواب نفس الفعل الذي هو للأجير لولا الإجارة والكلام في هذا الثّواب وهذا لا يرجع إلى المستأجر بل يختصّ بالمباشر إن فرض ثبوت الثواب بتأتّي قصد القربة منه بعد عقد الإجارة ويمكن الجواب عن أصل الدّليل مضافا إلى ما تقدّم من المصنّف من وجود نفع يعود إلى المستأجر في الواجبات الكفائيّة كليّة وهو سقوط التّكليف عنه بمباشرة الأجير وثبوته أحيانا في الواجبات العينيّة بأنّه ربما كان انتفاع الأجير بعمله نفعا عائدا إلى المستأجر فيستأجره لكي ينتفع بعمله فيكون في ذلك انتفاعه كما إذا استأجر الأب دابّة ابنه لركوب الابن فإنّ ركوب الابن منفعة للأب وكذلك المقام فإن استيجار الشخص عياله على أن يأتوا بواجباتهم فيخلصوا من نار جهنّم انتفاع له وليس يختصّ الانتفاع بالانتفاع بالثواب بل هو مطلق الالتذاذ بالشيء ولو كان التذاذه بالتذاذ آخرين وما ذكرناه جار في استيجار كلّ مؤمن بالإتيان بواجبه فإنّ المؤمنين إخوة وما يهمّ أحدهم يهمّ آخرين ثم إنّ هذا الدّليل إن تمّ عمّ الواجبات العينيّة ولم يختصّ بالواجبات الكفائيّة قوله قدس سره والَّذي ينساق إليه النّظر أنّ مقتضى القاعدة هذه العبارة إلى قوله وأمّا مانعيّة مجرّد الوجوب أجنبيّة عن المطلب في محلّ الكلام في أخذ الأجرة على الواجبات هو أخذها على عمل يصدر بصفة الوجوب حين ما يصدر بعنوان الوفاء لعقد الإجارة ويكون في عين ما هو وفاء مصداقا للواجب لا أنّه مشابها للواجب وإن لم يقع فعلا على صفة الوجوب فإنّ ذلك خارج عن محلّ الكلام ولا إشكال في جوازه فالكلام في أنه هل الوجوب واستحقاق الأجرة على عمل ممّا يجتمعان في واحد أو أنّه إذا جاء أحدهما ذهب الآخر فالمربوط بالمقام هو قوله وأمّا مانعيّة مجرّد الوجوب إلى آخر العبارة قوله قدس سره لامتثال الإيجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده أمّا امتثاله فذلك حيثما لم نقل بمنافاة أخذ الأجرة لقصد القربة وأمّا إسقاطه فهو حيثما قلنا بالمنافاة وكان العمل المستأجر عليه توصّليا كما إذا آجر نفسه على غسل ثوبه فغسله أو إزالة النّجاسة عن المسجد فأزالها فإنّ التّكليف يسقط بارتفاع موضوعه وأمّا إسقاطه عنده فذلك إذا قلنا بالمنافاة وكان العمل المستأجر عليه تعبّديا مضيّقا أو لم يأت به حتى تضيّق فإنّه مقارنا للعمل يسقط التّكليف لفوات وقته وإن ثبت له قضاء في خارج الوقت فذلك تكليف جديد ونتيجة المطلب أنّ الواجب يبقى في الذّمة في صورة واحدة هي ما عدا ثلاث صور الَّتي أشير إليها في المتن وهو ما إذا كان الواجب عباديّا موسّعا وقد أتى به في سعة الوقت وقلنا بمنافاة أخذ الأجرة لقصد القربة وكلَّما ارتفع قيد من هذه القيود الثّلاثة سقط التّكليف ويكون سقوطه بالامتثال تارة وبارتفاع الموضوع أخرى وبانقضاء الوقت بتماميّة العمل ثالثة وقد عبّر عن الأوّل بالامتثال وعن الثّاني بالسّقوط به وعن الثّالث بالسّقوط عنده قوله قدس سره أكل للمال بالباطل لأنّ عمله هذا لا يكون محترما لأن استيفاءه مجرّد جواز استيفاء العمل منه مجّانا وإجباره على العمل مع اجتماع شرائط الأمر بالمعروف لا يوجب سلب الاحترام عنه حتى يكون مقابلته بالعوض باطلا وأكل العوض في مقابله أكلا للمال بالباطل وقد اختلط هذا واشتبه بما إذا رخّص الشّارع في إتلاف مال بلا تعقّب ضمان كالخمر والخنزير مع أنّه أجنبيّ عنه وإنّما هو من التّرخيص في استيفاء مال بلا عوض كترخيص المارّة في الأكل من الثّمرة وترخيص الأكل من بيوت الأقارب فهل يجترء أحد على الحكم ببطلان المعاملة وشراء ما جاز له أكله مجّانا ودعوى أنّ دفع العوض مع جواز الأكل مجّانا سفه فكانت المعاملة سفهيّة باطلة مدفوعة أولا بأنّه يلزم أن يكون اشتراء ما أباحه المالك مجّانا سفها وثانيا بأنّه ربما يدعو غرض إلى المعاملة فيخرج عن السّفه ثم إنّ هذا الدّليل لو تمّ لعمّ كلّ الواجبات ومن أيّ